صنعاء 19C امطار خفيفة

شرف قاسم سعيد.. نجم لم ولن يأفل

شرف قاسم سعيد.. نجم لم ولن يأفل
مصاب قاسٍ وأليم هزني من الأعماق، لجأت معه إلى التفكير بالصمت.. الصمت الذي حجز عني إمكانبة الكلام/ الكتابة -وهذا الأمر غالبًا ما يحدث معي حين أفقد بعض الأصدقاء الكبار- وكان ذلك مع خبر رحيل النجم/ السهيل اليماني.. النجم الذي يأبى أن يأفل، لأنه لم يرحل إلا بالمعنى المجازي، إنه الشرف ابن قاسم الحمادي.
رحيل آسٍ وفاجع، وقاسٍ، تجرع مرارته كل من عرفه عن قرب، أو اقترب منه لأيام.. مرارة مايزال طعم علقمها معلقًا في حنجرة الكلمات الحزينة والأسيفة.
 
أن تفقد تمثال نور في صورة ذلك الـ"شرف" العظيم، يعني فقدانك شيئًا من روحك.. فقدانك الكثير من ذاكرة النور والبصيرة في رؤية ما تبقى من نفسك، وممن تبقى من حولك من الأصدقاء.
كان اسمًا على مسمى، وصدق القول: إن لكل من اسمه نصيبًا.. هو الـ"شرف" المعلا، بدون صفة "الدين"، هو شرف، فقط، فيه ومعه يكتمل معنى الشرف.. شريف وصادق حين يختلف ويتفق، معه يصبح للعفة والطهارة معنى سلوكي/ حياتي.
سماه والده "شرف"، وسمته أفعاله النبيلة بين الناس "الشرف".
وفي منتهى الشرف غادرنا ذلك الـ"شرف".. غادرنا بهدوء دون ضجيج، ولذلك بقي شريفًا محافظًا على مكانته في سدرة منتهى الشرف.. هكذا كان وهكذا رحل.
 
اختار مقام الرفيق الأعلى، حين اختار أن يكون بسلوكه وموافقه في مرتبة الشرف العليا، عليه أزكى الصلوات، وعليه السلام.
في خطواته الاعتيادية/ الحياتية/ اليومية، كان يتحرك من الأدنى إلى المنزلة الأعلى، هذا ديدنه، دون أن يتقصد أن يكون كذلك، هي الفكرة الذاتية الشخصية الإنسانية التي كان يتشكل فيها ومن خلالها، لم تغره المواقع الأمنية الحساسة التي تبوَّأها ليتجاوز في الممارسة سقف تلك القيم الأخلاقية والإنسانية، بل كان من موقعه صدًا منيعًا لكل محاولة اختراق مفردات تلك المثل والقيم.
 
حين يخطئ كان لا يتوانى ولا يتردد في الرجوع إلى الصواب، والجميل أنه كان يعلن ذلك بوضوح، وهذا ما جعله محبوبًا وقريبًا من الجميع، ومثل هذه النماذج الإنسانية من البشر، نجدهم مهمومين بالناس وقضاياهم، وكأن السماء والأرض انتدبتهم، وألقت على كواهلهم القيام بذلك الواجب الأخلاقي والاجتماعي والوطني والإنساني.. وكأنهم وجدوا ليكونوا كذلك.
شرف روحٌ متوَّجة بالشرف.. روحٌ متوَّجةٌ بالعطاء بلا حدود، لم يكن ذلك الـ"شرف" يؤمن بالشفقة والإحسان بمفهومهما الشعبوي والانتهازي، لأنه كان يمتلك في داخله رؤية عميقة لمعنى التضامن الإنساني بين البشر، وهي ثقافة مدنية حديثة.
حين يختار، كان يذهب مع خياره حتى النهاية، ويدافع بصلابة عما يعتقد، دون تعصب، وحين يكتشف في رحلة بحثه عن الحقيقة التي اعتقدها، أنه كان في المكان الخطأ، كان يقف متمليًا محاورًا ذاته، ومن يغايره، حول ما كان، لأنه بدون مسبقات عصبوية، بخاصة بعد رحلة تجارب قاسية مع الحياة، تعلم فيها، ومن خلال رحلة بحثه عن الحقيقة، أن يتخلص من المسبقات الذهنية العصبوية، لصالح القيم الإنسانية الكبرى، هذا هو الـ"شرف" ابن قاسم الحمادي، الذي أقسم على شرف الانتصاف للحقيقة كقضية حياتية، حتى صار ذلك في الفكر والسلوك جزءًا لا يتجزأ من بنية وعيه السياسي والثقافي والاجتماعي والوطني.
 
كان جميلًا في كل شيء، في لطفه ومودته وغضبه، ولذلك كان صادقًا وعميقًا في فرحه وفي حزنه، تمثال نور على من حوله، هكذا كان الـ"شرف"، وهكذا رحل بشموخ جبال اليمن، تاركًا لنا حزن الصداقة ومرارة الفقدان.
شرف، وأمثاله في المنازل العليا مقيمون، حيث يجب أن يكونوا هناك نجومًا تحتجب، تتوارى، ولا تأفل، ولا يطالعنا الزمن ببدائلها/ نظائرها إلا بعد دورة فلكية كاملة، وعلينا أن ننتظر مثل هكذا نجوم ولآلئ.
 
بعد أحداث اغسطس 1968م، وبداية العام 1969م، ومع اشتداد حملات الاعتقالات والقمع والمطاردات لأبطال الحصار، غادر إلى عدن بتوصية من الرفيق القائد، عبدالحافظ قائد، المسؤول الأول عن الحزب الديمقراطي الثوري في شمال البلاد، هي رسالة حزبية إلى سلطان أحمد عمر، الأمين العام للحزب الديمقراطي الثوري اليمني، تتضمن ترتيب وضعه الحزبي والوظيفي.
فقد تعرف شرف على الرفيق القائد، عبدالحافظ قائد، من خلال العمل الحزبي الكفاحي المشترك تحت قيادته، حين كان شرف في بدايات بواكير نشاطه الحزبي والسياسي، حيث كان شرف حاضرًا في قلب حصار صنعاء من خلال علاقة شبه يومية بالقائد السياسي والمثقف الوطني الكبير، عمر بن عبدالله الجاوي، أحد أبرز قادة المقاومة الشعبية في كل مراحلها، وكان شرف من أبرز شباب الثورة المنخرطين في قلب الدفاع عنها، دون أن يكون ضمن الجيش، أو الأمن، بل ضمن تيار المقاومة الشعبية الواسع، ومن هنا بداية علاقته المتينة والصداقة الحميمية التي جمعته مع عمر الجاوي، والتي استمرت بعد ذلك، خلال السنوات اللاحقة للحصار، وهي السنوات القصيرة الملحمية التي صهرت وحددت معنى اسمه السياسي والوطني في خضم العملية الثورية اليمنية في الشمال والجنوب.
 
وشخصيًا، لم أنسَ ولن أنسى يومًا، أن هذا الثنائي الكبير ؛ عمر الجاوي، وشرف قاسم، كانا هما -في فترة لاحقة- من لعبا الدور الحركي والسياسي في المتابعة لإخراجي من السجن، بعد فترة إخفاء قسري لأشهر طويلة بعد عودتي من دمشق/ سوريا، في أواخر العام 87-1988م، فقد كان لهما الفضل الأول والأكبر في متابعة تحريك مسألة إخراجي من السجن ، بعد إنكار وجودي، وكذلك لا أنسى فضل شرف بن قاسم، في مساندتي وفي دعمي ماليًا، والأهم أنه شكل ما يشبه الحماية الأمنية لي خلال تواجدي في صنعاء، بعد خروجي من السجن، فقد كان يتعمد أن أكون حاضرًا معه وفي منزله وفي بعض تحركاته الاجتماعية، كان بحق إنسانًا كبيرًا، وما فعله معي، كان شبه سلوك يومي يقوم به مع الجميع، وهنا نقطة التقائه وتشابهه مع سلوك الرمز الوطني الكبير عمر الجاوي، الذي شكل قوة حماية ورعاية للجميع من قمع السلطتين في صنعاء وعدن.
 
***
شرف قاسم شخصية ديناميكية/ حركية، تقول وتنفذ، يتميز بدرجة عالية من الصدق في علاقاته الشخصية، والاجتماعية، ويبدو أن ذلك ما جعله قريبًا من عمر الجاوي، ولتشابه منطق تفكيرهما، وبساطة حياة الاثنين، على اختلاف المواقع والمدارس الحياتية والفكرية التي جاءا منها، فقد وحدتهما الرؤية للوطن كقضية وعدالة ومواطنة. كان الاثنان، عمر، وشرف، يفكران دائمًا في الحلول، في ما بعد المشكلة، لأن الكلمة والحوار عندهما مسؤولية، كان هاجسهما من الحوار، ما هي الخلاصة الواقعية لكل ذلك على الأرض، وفي حياة الناس.
 
لا يتوقف سؤال شرف عماذا نريد بالضبط، وكيف نصل إلى ما نريد، من القضايا الذاتية الصغيرة، التي يتدخل لحلها في قريته في بني حماد، إلى الإشكالات السياسية والوطنية الكبرى.
يبدو أن اشتغاله المبكر بالعمل الثوري الأمني، علمه مسؤولية معنى ما يقول، بل وكيف يفكر حول ما حوله بصورة واضحة وعملية.
مع ذلك، فـ"شرف" -وأمثاله- وهم قلة قليلة، هم من كسروا صورة رجل الأمن في أذهاننا، من خلال مخزون تجاربنا المريرة مع رجال الأمن، تحديدًا في ظروف العمل السري.
كانت صورة رجل الأمن سيئة وبشعة في أذهاننا -وماتزال- سواء في النظام التقدمي أو في النظام الرجعي، في النظام الجمهوري، أو الملكي، على أن هناك أسماء قليلة ونادرة، كسرت نمطية تلك القاعدة، من خلال تعاطيها السياسي والإنساني المفتوح مع قضية ومفهوم ودور رجل الأمن، وهذا الاستثناء في صورة شرف قاسم، والقائد البطل، الشهيد، ثابت عبده، ود. محمد عبدالرحمن المجيدي، وغيرهم من الرموز الأمنية الوطنية، لا يلغي القاعدة، بل يؤكد على الضرورة السياسة الحقوقية، والقانونية، والإنسانية، لتغيير هيئة، ودور وصورة، ووظيفة المؤسسة الأمنية، ودور العاملين فيها، وهذا لن يكون إلا في دولة المواطنة والمساواة والحقوق والقانون، ومايزال مشوارنا في المنطقة العربية نحو هذه الدولة طويلًا وبعيد المنال على المستوى المنظور والمتوسط.
 
***
أعرفه جيدًا من خلال رحلة عمر تمتد لأكثر من أربعة عقود.. أعرف أخلاقه، أعرف مناقبيته، أعرف أصله الإنساني النبيل المبني على قيم ومثل حافظ عليها في بنية تفكيره وفي سلوكه اليومي، ولذلك بقي يترقى إلى مراتب العلا، حتى وهن جسده، وزاد من مراراة حياته في السنوات الأخيرة نكد وانحطاط هذه الأيام، وبؤسها الذي ضاعف من تعبه، ومن إنهاك جسده، حتى اشتد عليه المرض، ولم يجد سند الدولة التي أسهم في بنائها.. الدولة التي فقدناها في زحمة المطامع الصغيرة، والتنافس على ما تبقى من رماد وعفن السلطة، وهي القواصم التي عجلت برحيله، حتى لا يرى ما لا يجب، ولا يحب أن يراه، حين وجد أن الأماني والأحلام الكبيرة تراجعت، وتقدمت الهوامش السلطوية التافهة.. تقدمت المليشيات متعددة الأسماء على متون الدولة، والحياة السوية المنشودة، مع أن شرف طيلة رحلة التعب المريرة، والوجع النفسي، لم يفقد تفاؤله، وتمسكه بخيار الحرية حتى لحظة رحيله.. رحل وهو يوزع فائض الشرف على من تجردوا منه.. وفائض الكرامة على من تحللوا منها.
إنه حقًا، "جلدة بين جفني وعيني"، ظلمته الفئة الفاسدة، كما قالها الرسول العظيم (ص)، عن عمار بن ياسر، العنسي المذحجي، مع تحوير بسيط في الصياغة.
 
وعمر الجاوي، وعبدالحافظ قائد، وعبدالجليل سلمان، وشرف قاسم، هم من نماذج ذلكم النفر الأبطال، الذين اقتحموا السماء، مثل رجال "كومونة باريس"، وأعطوا بلا حدود، دون منٍّ، ودون رجاء عطاء.
لهم جميعًا الرحمة والخلود.
ورحمة الله تغشاك أيها الصديق والقائد، الشرف المعلَّا والإنسان.. شرف بن سعيد بن قاسم الحمادي.
وإلى جنة الخلد إن شاء الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدلالية

إقرأ أيضاً