صنعاء 19C امطار خفيفة

العم عبداللطيف جزمته "تًزايِط"!!

العم عبداللطيف جزمته "تًزايِط"!!

كان الزمن جميلا ولذلك كان رجاله كبارا 

جميلا برغم التعب..

كان الناس يعيشون حياتهم بالطول والعرض 

قال احمد الذهباني وكان يقدم يومها برنامجه الشهير" صورة " 

كنت في حوض الأشرف بتعز، لفت نظري سيارة " فولجا " روسية، تقدمت منها، شد انتباهي ان كرسي السائق هو الباقي، ومكان الركاب احجار، بحثت عن السائق، أشار إلى أحدهم:

العم عبداللطيف هناك 

تقدمت منه، على رأسه كوفية وشميزوفوطة عدني:

كيف حالك ياعم؟ 

انت راكب؟ 

ايوة 

هيا اطلع 

اين اطلع ومافي الا كرسي واحد 

اطلع بالحاصل 

قال الذهباني:

ظللت اتابع مايجري، الركاب يصعدون والولد الواقف بجانب الفولجا يستلم منهم الاجرة !!! 

هيا تعال انت، أشار للذهباني 

قال أحمد: ضحكت 

طيب ياعم عبد اللطيف كيف تقنعهم يركبوا معك 

قال: اتفدٍي لهم 1

صعد الى السيارة، حاول يشغلها، لم تشتغل 

صاح في الركاب الجالسين داخل ديوان الفولجا:

انزلوا ادهفوا 

الغريب انهم نزلوا، ظلوا يدهفوا حتى تعبوا 

تركوا عبد اللطيف والفولجا والأجرة وذهبوا 

حالة عبث قصوى لايبددها سوى طيبة العم عبد اللطيف 

قال احمد الذهباني: 

سجلت كل ماشفت وظللت أردد ما قاله العم الطيب " اتفدي لهم " حتى صنعاء..

العم عبداللطيف حزام رحمه الله، كان أحد أطيب خلق الله وهو أحد أنجال القاضي حزام عون من كان يعلم من يريد الكتابة، شخصيا تعلم والدي وعمي عبد الحبيب وكذا عبد الوهاب الخط لديه، وصار التشابه الشديد فيما يكتبون ملاحظا طوال حياتهم والى اللحظة عبد الحبيب...

عدن كانت مهوى القلوب واليها يذهب الأمل دائما، ولها الفضل في أنها علمت المناطق التي حولها أبجديات الحياة وخاصة مناطق الحجرية...والعم عبداللطيف واخوته عبد الجبار وأحمد ومحمد وأمين استكبوا عبر نقيل الجواجب إلى المصلى حيث ركبوا اول بابورهناك الى عدن حيث الرزق عبر المفاليس وعقبة العذير والسبت وكود النمر ولحج ودار سعد حتى أول نقطة للانجليز، كانوا هناك يمنحون البطاقة الزرقاء التي تميزهم عن "العدنيين "، لكنهم بعد سنوات عادوا إلى القرية بالكوافي الزنجباري والشمزان المقلمة والفوط اندنوسي وفي اليد باكورة الرجولة !!!

كان العم عبد اللطيف يتميزعنهم بالحنا على اليدين وتلك كانت قصة تتردد على الأفواه "عبد اللطيف محنا"..

وعبد اللطيف تعب مثل الذين تعبوا، سكب عرقه هناك حيث اللقمة الشريفة، واصبح سائقا يشارله بالبنان...

إذ تتبدى بشائر العيد، فلابد أن تنتظر القرية " المَعَادِنة"..

من العام الذي مر، تحتفظ العمة خوزران بكوت عبد اللطيف داخل الصندوق وفي ثناياه حبات الكافور حتى لا تأكله الحشرات الصغيرة التي لاتكاد تُرى !!! وتخرج الجزمة الشيكي وتلمعها وكذا الشرابات الطويلة حتى نصف الساق !!! والمشدة الرشوان المهيبة التي يجيد لفها على رأسه ولا تنسى خوزران من أن تزينها بالمشقرالمُطابق !!! وتكحل العينين بالكحل الهندي الأصلي الثماد 

دارالعم عبد اللطيف يشرف على المسبح " الكريف " حيث نسبح أيام الصيف ويسبح الثور" ذهب " حق الشيخ !!! وتلك حكاية أخرى 

نخبئ ملابسنا بعيدا ونأتي عرايا خوفا من أم محمد ان تأتي بغتة وتاخذها وقد حدث ذلك مرات لنا حيث نأمن أنها غير موجودة فنفاجأ بأن ملابسنا ذهبت مع الريح وعلينا أن ننزل الى قريتنا يارب كما خلقتنا!!! 

للعم عبد اللطيف والعمة الكريمة خوزران ابنة واحدة " لول " وكانت حديث القرى، وماتت بسبب البرق فبكتها الآكام ودور القرى المتناثرة بين احوال الخضرة !!! ولتفردها في حياتها حتى قبرها هناك بجانب القبر منفردا!!!

نكمل السباحة ونستعد للذهاب، يدوي صوت لول:

ياواليد تعالوا 

ندخل الى الدار نجد دست العصيد جاهز ومع الحقين ورائحة البسباس الأخضروالكبزرة، لم اتذوق في حياتي مثل تلك الأكلة التي نخوض فيما بيننا معركة اللحظة مع اقراننا الأشداء الذين يستولون على معظمها!!!

تعلم القريتين ان العم عبد اللطيف وصل ليلا...

يا فرحتنا بجعالته و"مُزايطة " الجزمة الشيكي!!!

نهب صباحا لنرافق العم عبد اللطيف الذي نجده قد لبس الفوطة والكوت وطبعا الجزمة بالشرابات وجيبه مملوء بالشكليت والمليم والباكورة معلقة على الذراع  ويانهارالله مااجملك !!!

نلحقه، نستمتع بصوت الجزمة الذي يجيد هوالدعس عليها فتصدراصواتا موسيقية تشنف أسماعنا!!! 

يقسم الطريق مسافات، وكل نهاية مسافة يرمي لنا ببعض الجعالة..

وهكذا حتى نصل إلى "زَرَيْد" وزريد نقطة التقاء على طريق الذاهبين والآيبين إلى ومن المصلى حيث يصل خير عدن الذي انقطع مع الاستقلال فحرم حياتهم التي صنعوها خلال سنين طوال !!! جفت تلك الطريق 

زريد لها الف معنى في رؤوسنا، نلحق شكليت ومليم عبد اللطيف وبال كل واحد منا عند الشاهي الملبن حق عبده احمد سعيد!!! 

من في جيبه بُقَش شرب وتلذذ، واللي مامعه يكفيه يشم الرائحة، وبعضنا يظل يتحسسس ثلاجة الشاهي ويتخيل أنه يشرب حتى ننسى أن العم عبد اللطيف ترك المكان عائدا الى الدار، وان جيبه لم يعد ممتلئا بالشكليت والمليم..

أما مزايطة الجزمة فظلت  في اعماقنا الى الأبد..

لتنم روح ذلك الرجل الطيب والانبل والعمة خوزران ولول بسلام..

 

النداء

عبد الرحمن بجاش 

9 يونيو 2024

 

تصنيفات

إقرأ أيضاً